أحمد مصطفى المراغي

4

تفسير المراغي

المعنى الجملي تقدم أن قلنا غير مرة : إن تقسيم الكتاب الكريم إلى الأجزاء الثلاثين لوحظ فيه العدّ اللفظي لا الاتصال المعنوي ، إذ كثيرا ما تكون بداءة الجزء في أثناء القصّة الواحدة كما هنا ، فإنه بعد أن بين حال الناصح الشهيد ودخوله الجنة - أردف ذلك ذكر حال المتخلفين المخالفين له ، ثم ذكر سنة اللّه في أمثالهم في العذاب الدنيوي ثم هم يردّون إلى ربهم فيعذبهم في الآخرة . الإيضاح ( وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ) أي وما أنزلنا على قوم هذا المؤمن الذي قتلوه لدعائه إياهم إلى اللّه ونصيحته لهم - من بعد مهلكه جندا من الملائكة ، بل كان الأمر أيسر من ذلك . وإجمال المعنى : إنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضبا منه تبارك وتعالى ، لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليّه ، وما كاثرهم سبحانه بالجنود وإنزال الملائكة ، بل كان أمرهم أهون من ذلك ، إذ ليس من سنته أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير من السماء . ثم بين ما كان من هلاكهم بقوله : ( إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ) أي ما كان هلاكهم إلا بصيحة واحدة فإذا هم أموات لا حراك بهم ، قد ذهبت منهم حرارة الحياة كما تذهب حرارة النار حين الخمود . وفي هذا إيماء إلى أن الحىّ كشعلة النار ، والميت كالرماد ، وإلى هذا يشير لبيد : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع